المنجي بوسنينة
342
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
فارّا على قدميه فلا تدركه الخيل . يكتب صاحب الأغاني : « إن تأبّط شرّا كان أعدى ذي رجلين وذي ساقين وذي عينين ، وكان إذا جاع لم تقم له قائمة فكان ينظر إلى الظباء فينتقي على نظره أسمنها ثم يجري خلفه فلا يفوته حتى يأخذه ويذبحه بسيفه ثم يشويه » . [ الأغاني ، 18 / 215 ] . كان تأبّط شرّا على صلة بالصعلوك الشهير الشنفرى ( ت 70 ق . ه / 554 م ) وقد رثاه حين قتل ونذر على نفسه أن يثأر له . لم يكن تأبّط شرّا من الصعاليك الخلعاء الذين خلعتهم قبائلهم وتبرّأت منهم من أمثال قيس ابن الحدادية ( ت 15 ق . ه / 612 م ) ، وحاجز الأسدي ( تاريخ وفاته مجهول ) بل ظلّ يؤوب إلى قومه بعد كلّ غاراته ويقيم بين ظهرانيهم . والثابت تاريخيا أن ظاهرة الصعلكة في مجتمع ما قبل الإسلام كانت منتشرة ، وسواء كان الصعلوك خليعا طريدا نبذته قبيلته مثل حاجز الأسدي ، وقيس بن الحدادية أو كان من الأغربة السود مثل تأبّط شرّا ، والسليك بن السلكة ( 17 ق . ه / 656 م ) ، والشنفرى ، فإنه لم يكن ينظر إليه نظرة دونيّة ، بل كان مهاب الجانب ممجّدا . فهو فتى يرفض الظّلم ويجمع إلى الشّجاعة ورباطة الجأش ، الإقدام وحبّ المغامرة . وهو شاعر له على الكلمات سلطان واقتدار . لذلك أحاطت الذاكرة الجماعية هؤلاء الصعاليك بهالة من المجد وجنحت أثناء سرد أخبارهم إلى الإغراب والتعجيب . ولذلك أيضا ستتوسّع الروايات في ذكر أمجاد تأبّط شرّا وتصل إلى حدّ القول بأنه كان يلاقى الغول في الليالي الحالكة القارسة فينازلها ويصرعها أو يلاقيها ويتمكّن لشدّة بأسه ورباطة جأشه من نكاحها ثم يقول في ذلك شعرا [ الأغاني ، ص . 18 / 215 ؛ الديوان ، ص . 77 ، 222 - 227 ] . قتل تأبّط شرّا في غارة من غاراته على قبيلة بني هذيل فرموا جثّته في غار يقال له رخمان . والروايات الواردة في الأغاني تحيطه بهالة من المهابة حتى بعد موته ، إذ يقول الأصفهاني إن تأبّط شرّا أصيب في القلب بسهم ومات بين أيدي صحبه الذين أغاروا معه على بني هذيل ويذكر أنه « مات في أيديهم ، فانطلقوا وتركوه ، فجعل لا يأكل منه سبع ولا طائر إلا مات ، فاحتملته هذيل ، فألقته في غار يقال له غار رخمان » [ الأغاني ، ص . 18 / 211 ] . لا تتجاوز قصائد تأبّط شرّا ومقطّعاته 85 قصيدة ومقطوعة وعدد أبياتها كلّها 381 بيتا . وهي موزّعة في المفضّليات ، والشعر والشعراء ، والعقد الفريد ، والأغاني وغيرها من كتب الأدب . والراجح أن أغلب قصائده تجاوز فيها الستة أبيات لا نكاد نعثر إلا على مقطّعات لا يتعدّى الكثير منها حدود البيت والبيتين . وهي جميعها أشعار تصوّر حياته وما كان من أمره وأمر غاراته وفتكه . غير أن الناظر فيها من جهة الأغراض التي عليها جريان الشعر العربي يلاحظ أن تأبّط شرّا قد التزم بسنن القول الشعري التي درج الشعراء على اتّباعا في زمانه . فلم يخرج عن الأغراض التي انتظمت الشعر العربي بل تناول أغلبها . فالتزم بالقيم التي مجّدتها الجماعة وعدّتها علامة الفتوّة باعتبار الفتوّة هي جماع قيم